
حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، من عملية واسعة ينفذها جيش الاحتلال الصهيوني بالتعاون مع شركات صهيونية، لتفتيت ركام الأحياء السكنية التي دمرها خلال حرب الإبادة الجماعية بغزة، ونقله إلى مواقع غير معلنة خارج القطاع.
وقال المرصد الحقوقي: "إن العملية تهدد بطمس أدلة مادية على جرائم الإبادة الجماعية وإتلاف رفات ضحايا فلسطينيين لا يزالون في عداد المفقودين تحت الأنقاض"، موضحا أن العمليات تجري داخل مناطق مغلقة في القطاع تخضع للسيطرة العسكرية الصهيونية، وتشمل هدم ما تبقى قائما من المباني وتفتيت الأنقاض وخلطها ونقلها، قبل تمكين فرق الطب الشرعي والأدلة الجنائية وخبراء الذخائر غير المنفجرة من فحص المواقع وتوثيقها.
وأضاف أن تلك الأعمال لا تجري ضمن جهود إنسانية منظمة لإنقاذ المفقودين أو فتح الطرق أو التمهيد لإعادة الإعمار، بل ينفذها الكيان الصهيوني بصورة أحادية ودون رقابة مستقلة.
ووفق البيان، قدر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، صدر في أبريل/ نيسان الماضي، كمية الركام المنتشرة في قطاع غزة بنحو 68 مليون طن، استنادا إلى الأضرار المسجلة حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025، دون احتساب ما خلفته عمليات التدمير اللاحقة.
وفي سياق متصل، ذكر المرصد أن معطياته الميدانية الأولية تشير إلى إزالة وتفتيت ونقل ما لا يقل عن 10 ملايين طن من الركام من مواقعه الأصلية داخل المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الصهيونية غير المشروعة داخل القطاع، وكشف أن نحو 400 آلية للحفر والهدم والتكسير والنقل، تشغلها شركات صهيونية تحت حماية جيش الاحتلال، تعمل في مناطق مختلفة من شرقي قطاع غزة وجنوبه.
وأوضح أن تلك الآليات تهدم ما تبقى قائما من مبان، وتفتت ركام الأحياء المدمرة وتزيله من مواقعه، قبل تحميله على شاحنات تنقله بعيدا عن مواقعه الأصلية، مؤكدا المرصد أنه رصد خلال الأسابيع الأخيرة حركة ما يقارب 100 شاحنة صهيونية يوميا محملة بالركام إلى خارج قطاع غزة.
وتابع أن المعلومات التي جمعها تشير إلى أن الشاحنات تنقل الركام إلى مواقع غير معلنة داخل مواقع صهيونية، وأخرى جنوبي الضفة الغربية المحتلة، ولفت إلى أن الاحتلال الصهيوني لم تكشف عن الكميات التي أُخرجت فعليا، أو مسارات الشاحنات ومواقع تفريغ حمولاتها، أو الجهات التي تتسلمها وأوجه استخدامها.
كما لم يسمح الكيان الصهيوني بأي رقابة مستقلة على عمليات الفرز والوزن والنقل، بما يجعل تعقب المواد المنقولة واستعادة ما قد تحتويه من أدلة أو رفات بشرية أمرا بالغ الصعوبة، حيث حذر المرصد الحقوقي من أن هذه العمليات من شأنها إخفاء معالم جرائم مروعة ارتكبها الكيان في قطاع غزة في سياق الإبادة الجماعية.
وتابع المرصد: "خاصة الجرائم المرتبطة بعمليات الإعدام الميداني والتصفية الجسدية التي طالت مدنيين عزّلا، والتي تحتاج مواقع ارتكابها إلى معاينة ميدانية وتحقيق جنائي دقيق قبل أي تدخل يزيل معالمها أو يغيّر طبيعتها، الركام المنتشر في القطاع، يضم مواقع محتملة لجرائم قتل غير مشروع وقصف استهدف عائلات بأكملها، إلى جانب مواقع اشتباه بوجود مقابر جماعية أو جثامين مدفونة داخل المنازل والمستشفيات ومراكز الإيواء والمنشآت المدنية المدمرة".
كما تضم تلك المواقع أدلة وصفها المرصد الأورومتوسطي بالحاسمة بشأن تحديد نوع السلاح المستخدم، واتجاه الهجوم وتسلسله، ومواقع الضحايا والقوات المهاجمة ومسافة إطلاق النار، وسبب الوفاة وطريقتها، مشددا المرصد على أن سحق الأنقاض وخلطها ونقلها يفصل الأدلة عن سياقها المكاني ويدمر العلاقة بين أجزاء مسرح الجريمة، وقد يجعل من المتعذر نسبتها إلى واقعة أو ضحية بعينها.
ونبه المرصد إلى الخطر الذي تشكله العمليات على رفات آلاف المفقودين الذين يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، والبالغ عددهم نحو 8 آلاف و500 شخص، وفق تقديرات الدفاع المدني في قطاع غزة خلال يوليو/ تموز الماضي، موضحا في الوقت نفسه أن استخدام الكسارات والآليات الثقيلة من دون مسح جنائي وإنساني مسبق قد يؤدي إلى سحق الرفات أو تفريقها وخلطها بالركام وفصلها عن المتعلقات التي تساعد في التعرف إلى أصحابها، ثم نقلها إلى مواقع مجهولة.
واعتبر المرصد أن ذلك يمس حق عائلات المفقودين في معرفة مصير أقاربها واستعادة رفاتهم ودفنهم بكرامة، ويتعارض مع القواعد الدولية المتعلقة بالبحث عن الموتى وجمع رفاتهم وحمايتها والتعرف إليها، قائلا: "إن الركام يضم أيضا ممتلكات خاصة وعامة ومواد قابلة لإعادة التدوير، بينها الحديد والحجارة والخرسانة، إلى جانب وثائق ملكية وسجلات رسمية ومقتنيات شخصية، وإزالته تحرم الفلسطينيين منها".
وعد المرصد الحقوقي أن إخراج الركام من القطاع أو بيعه أو استغلاله تجاريا من دون موافقة أصحابه أو تعويضهم عنه مصادرة غير مشروعة للممتلكات أو نهبا محظورا بموجب القانون الدولي الإنساني، مشددا على أن تفتيت الركام وإزالته على هذا النطاق لا يقتصر أثره على طمس أدلة الجرائم، بل يمتد إلى محو حدود قطع الأراضي وأساسات المنازل وشبكات الشوارع ومعالم الأحياء والقرى والمخيمات، ما يجعل عودة الفلسطينيين وإعادة بناء مجتمعاتهم أمرا صعبا.







