
وسط الدمار الذي يلف قطاع غزة، وبين البيوت المهدمة ومراكز الإيواء والخيام، علت الزغاريد مجدداً مع إعلان نتائج الثانوية العامة، في مشهد اختلطت فيه الدموع بالابتسامات.
وللعام الثالث على التوالي منذ بدء حرب الإبادة، ينجح طلبة غزة في الوصول إلى محطة التوجيهي رغم القصف والنزوح وفقدان الأحبة، ليؤكدوا أن التعليم ما زال أحد أهم وجوه الصمود الفلسطيني، وأن الفرح قادر على شق طريقه حتى وسط الركام.
التوجيهي الثالث منذ اندلاع الحرب
وتمثل نتائج الثانوية العامة لهذا العام الدورة الثالثة التي تُعلن منذ بدء الحرب على قطاع غزة، بعدما عاش الطلبة ثلاثة أعوام استثنائية، فقدوا خلالها مدارسهم، وتوقفت الدراسة لفترات طويلة، واضطر كثير منهم إلى الدراسة داخل الخيام ومراكز الإيواء أو بين أنقاض منازلهم، وسط انقطاع الكهرباء والإنترنت ونقص الكتب والوسائل التعليمية.
ورغم هذه الظروف، تمكن آلاف الطلبة من خوض الامتحانات، ليضيفوا صفحة جديدة من الإصرار على مواصلة التعليم رغم الحرب.
فرحة انتظرتها العائلات
مع إعلان النتائج، عادت الزغاريد لتصدح في أحياء غزة، وخرج الطلبة إلى الشوارع حاملين الأعلام الفلسطينية، بينما اكتفت عائلات كثيرة باحتفال بسيط أمام منزل مدمر أو داخل خيمة نزوح.
وتقول الطالبة آية أبو مصطفى، التي حصلت على 88% بالفرع العلمي: “كنت أدرس على ضوء الهاتف المحمول، وأحياناً كنا ننتقل من مكان إلى آخر بسبب القصف. اليوم أشعر أن كل هذا التعب لم يذهب سدى، وهذه الفرحة ليست لي وحدي، بل لعائلتي التي تحملت معي كل شيء”.
أما والدها فيقول: “لم نستطع أن نوفر لابنتنا ما يحتاجه أي طالب، لكننا حاولنا أن نوفر لها الأمل. نجاحها اليوم أعاد البسمة إلى العائلة بعد شهور طويلة من الحزن”.
الدراسة بين النزوح والقصف
ولم تكن رحلة طلبة الثانوية العامة سهلة، فقد عاش كثير منهم تجربة النزوح أكثر من مرة، بينما فقد آخرون أفراداً من أسرهم أو منازلهم خلال الحرب، ما جعل التحصيل العلمي تحدياً يومياً.
ويقول الطالب محمد النجار: “كنا نحمل الكتب معنا في كل مرة نغادر فيها مكاناً إلى آخر. لم نكن نعرف أين سننام في اليوم التالي، لكننا كنا نعرف أننا نريد النجاح مهما كانت الظروف”.
وتضيف والدته: “كل يوم كنا نخشى أن تضيع سنة كاملة من عمره، لكن إصراره على الدراسة كان أكبر من الخوف”.
نجاح يحمل رسالة صمود
ويرى الدكتور عبد الله الخطيب تربوي فلسطيني، نتائج الثانوية العامة هذا العام تتجاوز كونها مناسبة تعليمية، فهي تعكس قدرة الطلبة على مواصلة حياتهم رغم الحرب، وتؤكد أن التعليم بقي أحد أهم أدوات الصمود في قطاع غزة.
ويقول المعلم أحمد المصري: “ما حققه الطلبة هذا العام ليس مجرد نجاح دراسي، بل انتصار على ظروف استثنائية. كثير منهم كان يحضر الدروس وهو نازح أو فاقد لمنزله، ومع ذلك أصر على استكمال تعليمه”.
فرحة لا تُخفي التحديات
ورغم أجواء الفرح، تبقى المرحلة المقبلة مليئة بالتحديات، في ظل الدمار الكبير الذي طال الجامعات والمؤسسات التعليمية، والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجه آلاف الأسر.
وتقول الطالبة سارة أبو عودة: “فرحتي كبيرة بالنجاح، لكنني أفكر من الآن في الجامعة، وهل سأتمكن من إكمال دراستي. ورغم كل شيء، سأواصل طريقي، لأن التعليم هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الحرب أن تنتزعه منا.”
وبين الزغاريد التي علت فوق الركام، ودموع الأمهات اللواتي احتضنّ أبناءهن بعد إعلان النتائج، أثبت طلبة غزة، وللعام الثالث منذ بدء حرب الإبادة، أن الإرادة أقوى من الحرب، وأن النجاح يمكن أن يولد حتى من قلب المعاناة، ليبقى التوجيهي هذا العام عنواناً جديداً للصمود الفلسطيني وإصرار الإنسان على التمسك بالحياة مهما اشتدت الظروف.
المصدر/ المركز الفلسطيني للإعلام








