
كشف الكاتب في صحفية هآرتس العبرية تسفي بارئيل عبر مقال صحفي له، عن تراجع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن معظم أهداف الحرب الأولية المتمثلة في إسقاط النظام، وتفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية، وقطع أذرع طهران الإقليمية، مكتفياً بتركيز الضغط الدبلوماسي لانتزاع "مذكرة تفاهم" هشة عوضاً عن اتفاق شامل.
وجاء هذا التحول بعد فشل الرهانات التكتيكية لتركيز القوات الأمريكية الضخم في المنطقة؛ حيث عجز الحشد عن ردع إيران وتحول إلى حرب استنزاف فاقمت الموقف الأمريكي والصهيوني، وأثبتت خطأ الفرضيات الغربية حول إمكانية الانهيار الاقتصادي السريع للنظام أو حدوث هجرة جماعية تطيح بمؤسساته.
وبدلاً من ذلك، فرضت طهران سيطرتها الاستراتيجية على مضيق هرمز محولة إياه إلى سلاح ضغط أجبر واشنطن على حصر مفاوضاتها في تقليص القدرات النووية وملف الملاحة، وهو الهدف ذاته الذي كان متاحاً في جولات المحادثات الدبلوماسية التي سبقت اندلاع المواجهات.
وفي السياق ذاته، يكتنف الغموض بنود مسودة "مذكرة التفاهم" المقترحة والمنتظرة لموافقة "ترامب" النهائية، حيث لم يوضح التقرير الأولي ما تم إنجازه أو جدول أعمال المفاوضات المقررة خلال فترة وقف إطلاق النار الممتدة لـ 60 يوماً، لا سيما بشأن مدى استعداد إيران لإزالة اليورانيوم المخصب من أراضيها.
كما تبدو الضربات المتبادلة طيلة الأيام الماضية بين واشنطن وطهران مرنة تكتيكياً لإظهار "العزم العسكري" دون الرغبة في تخريب التحرك السياسي، في وقت يعاني فيه "ترامب" من تآكل نفوذه السياسي على حلفائه في الخليج؛ والذين رفضوا التصريح علناً حول تهديداته الصادمة بـ "قصف عُمان" - العضو في مجلس التعاون الخليجي والوسيط المحوري - إثر نزاع إدارة المضيق.
ويتعمق هذا المأزق مع إقرار ترامب بالامتناع عن مهاجمة طهران نزولاً عند رغبة السعودية والإمارات وقطر خشية تعرض بنيتها التحتية ومحطات التحلية لضربات انتقامية، مما يقيد مناورته العسكرية ويجبره على القبول بالشرط الإيراني القاضي بالإبقاء على عمليات التخصيب داخل أراضيها وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وعلى صعيد "وحدة مسارح العمليات" التي فرضتها طهران، يمتد وقف إطلاق النار الهش إلى الساحة اللبنانية مقيداً الطموح الأمريكي في فرض ترتيبات أمنية شاملة، حيث يصطدم شرط "ترامب" بنزع سلاح "حزب الله" بحق نقض إيراني صارم يهدد بتجميد المسار الدبلوماسي بأكمله.
وتواجه الحكومة اللبنانية - التي تبنت سياسة غير مسبوقة ترفض شرعية الحزب العسكرية وتتمسك باحتكار الدولة للسلاح - مأزقاً بين عجزها عن تفعيل المواجهة داخلياً وبين تهديدات "ترامب" لبيروت بفتح أبواب الجحيم وتفويض الكيان الصهيوني بالتحرك العسكري إن فشلت المهمة.
وبناءً على ذلك، يجد الكيان الصهيوني نفسه رهينة تفاهمات واشنطن وطهران، في ظل احتمالية عودة الوضع المألوف لوقف إطلاق النار المتبادل الذي قد يستغله حزب الله لاستعادة قوته، ما لم يتجه ترامب لدعم حقيقي للجيش اللبناني ووضع أجندة تنسيق تضمن صياغة ترتيبات انسحاب إسرائيلي لا تبقي سيطرتها "أبدية" في الجنوب.
وفي المقابل، تنعكس غياب الرؤية الاستراتيجية بوضوح في ساحة قطاع غزة؛ حيث واصل الكيان الصهيوني احتلال أجزاء إضافية من القطاع دون حسم سياسي واضح، في ظل مواجهة ما يسمى بـ “مجلس السلام" لخطر الإفلاس المالي التام وتمسك حركة حماس برفض نزع سلاحها أو تقديم أي خطة لحل بنيتها التنظيمية.
ومع تواصل الحوار الدبلوماسي المكثف والغامض وتبادل المسودات المرفوضة سريعاً بين واشنطن وطهران، تظل الأهداف النهائية والمرجوة غير واضحة المعالم، مع غياب المؤشرات الرسمية حول ما إذا كانت الإدارة الأمريكية قد قررت التخلي الكامل عن "المشروع" السياسي في قطاع غزة، وطبيعة "الصلاحيات" الميدانية التي قد تمنحها للجانب الصهيوني حال الانهيار التام للمساعي الدبلوماسية الإقليمية.








