
تحوّلت العمليات الجراحية في قطاع غزة إلى إجراءات طبية بالغة التعقيد، في ظل واقع لم يعد فيه النقص مقتصرًا على الإمكانات الطبية والمستلزمات الجراحية، بل امتد ليشمل الكوادر البشرية نفسها، بعد أن فقد القطاع عددًا كبيرًا من طواقمه الطبية جراء الاستهداف الصهيوني المتواصل خلال الحرب.
ومع القيود الصهيونية الصارمة المفروضة على إدخال المعدات الطبية، باتت غرف العمليات تعمل في ظروف استثنائية، تضع حياة المرضى والأطباء على حد سواء أمام اختبارات قاسية، ورغم ذلك، تمكن أطباء العظام في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط القطاع، من إجراء عملية جراحية دقيقة لتركيب صفائح معدنية (بلاتين) لجريح أُصيب إصابة خطرة في قدمه، أدت إلى كسور معقدة كادت تنتهي ببتر الطرف المصاب.
وقال رئيس قسم العظام في المستشفى، الطبيب أيمن حرب: "إن الجريح تعرض لشظية صاروخ (إسرائيلي) استهدف إحدى البنايات في دير البلح، ما أدى إلى تفتت شديد في عظام قدمه اليمنى، الجريح ظلّ يرقد على سريره لأسابيع، بانتظار وصول المعدات اللازمة لإجراء عملية تثبيت العظام".
ومع تدهور حالته الصحية وقبيل إدخاله غرفة العمليات، بحث الأطباء عن أي بدائل لتفادي خيار البتر، فلجأوا إلى مخازن المستشفى القديمة في محاولة للعثور على أدوات يمكن إعادة استخدامها، في ظل الحظر الصهيوني المفروض على إدخال المستلزمات الطبية والأدوات الجراحية، وتم استخدام معدات لم تُستعمل منذ سنوات، بعد إخضاعها لإجراءات تعقيم دقيقة.
وقال الطبيب أيمن حرب: "إن الوضع الصحي في مستشفيات قطاع غزة بالغ التعقيد، مشيرًا إلى أن النقص الحاد في الأدوات الجراحية الأساسية دفع الطواقم الطبية إلى البحث عن حلول غير تقليدية، أطلقنا مبادرات بالتعاون مع مؤسسات طبية دولية لإعادة تدوير بعض المواد البلاستيكية واستخدامها في تثبيت العظام، بعد إخضاعها لتعقيم صارم، في محاولة لإنقاذ المرضى من البتر أو من مضاعفات خطيرة".
وأشار حرب إلى أن المستشفى كان يحتفظ بمعدات منتهية الصلاحية داخل المخازن، جرى تعقيمها وإعادة استخدامها كحلول مؤقتة فرضها الواقع، لافتًا إلى أن أقسام العظام تعاني نقصًا حادًا في الصفائح المعدنية، والمسامير الجراحية، وأدوات التثبيت، ما اضطر الأطباء في بعض الحالات إلى إعادة استخدام أدوات جراحية أُزيلت من مرضى آخرين بعد تعقيمها بعناية فائقة.
ولفت إلى أن شدة العجز دفعت الطواقم الطبية أحيانًا إلى استخدام أدوات صناعية مخصصة لأعمال النجارة، مثل "المقادح"، بعد تعقيمها، لتثبيت العظام، مؤكدًا أن كل خطوة داخل غرفة العمليات تتطلب دقة استثنائية، فأي خطأ قد يكلّف حياة المريض، نعمل تحت ضغط هائل، لكن لا خيار أمامنا سوى الاستمرار، لأن التراجع يعني خسارة أطراف وفقدان المزيد من الأرواح.
وتتفاقم الأزمة الصحية في قطاع غزة في ظل وجود أكثر من 20 ألف جريح بحاجة إلى علاج تخصصي غير متوفر داخل القطاع، ينتظرون التحويل للعلاج في الخارج، وفق بيان صادر عن وزارة الصحة في قطاع غزة، ويشمل هؤلاء مصابين بإصابات بالغة في العظام والعمود الفقري، وحروقًا معقدة، وإصابات عصبية، إضافة إلى حالات بتر تتطلب تدخلات جراحية متقدمة وأطرافًا صناعية.
إلا أن إغلاق المعابر، والقيود الصهيونية المشددة على سفر المرضى، إلى جانب التعقيدات الإدارية، حوّلت حق العلاج إلى مسار طويل ومجهول، ما أدى إلى تدهور حالات كثيرين، وتحول إصابات قابلة للعلاج إلى إعاقات دائمة تهدد حياة آلاف الجرحى.








