
قالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في قطاع غزة، أولغا تشيريفكو: "إن الوفيات الناتجة عن البرد الشديد في غزة، خاصة بين الأطفال الصغار والرضع، تُمثّل واحدة من أكثر المآسي إيلاما في المشهد الإنساني الراهن"، مؤكدة أن "فقدان أطفال بسبب انخفاض درجات الحرارة هو أمر مؤسف للغاية ويعكس حجم القسوة التي يعيشها سكان القطاع".
وأضافت: "هذه الوفيات وقعت في ظل ظروف مناخية قاسية وعواصف شديدة تضرب القطاع بشكل متكرر"، مشيرة إلى أن "الشتاء الحالي كان قاسيا جدا على نحو استثنائي، وأن آلاف العائلات تعيش في خيام مؤقتة أو ملاجئ غير صالحة لمواجهة الأمطار والرياح والبرد القارس".
وذكرت: "إن الجانب الأكثر مأساوية في هذه الوفيات هو أنه كان من الممكن تفاديها ومنعها لو توفرت الوسائل اللازمة لتدفئة الناس وتأمين مأوى لائق لهم"، لافتة إلى أن "غياب هذه الوسائل جعل الأطفال الفئة الأكثر عرضة للخطر، لا سيما الرضع الذين لا يحتملون انخفاض درجات الحرارة لفترات طويلة".
وأشارت تشيريفكو إلى أن حجم الاحتياج للمأوى في قطاع غزة هائل جدا، موضحة أن نحو مليون وتسعمائة ألف شخص بحاجة إلى أشكال مختلفة من المأوى أو تحسين ظروف الإيواء، وهو رقم يعكس حجم الدمار الواسع والنزوح الجماعي الذي خلّفته الحرب، وأضافت قائلة: "إن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في غزة يعمل، بالتعاون مع شركائه، على محاولة الاستجابة لهذه الاحتياجات الضخمة، رغم إدراكه أن الإمكانيات الحالية لا تتناسب مع حجم المعاناة، وأن الفجوة بين الاحتياج والاستجابة ما تزال واسعة، دور المكتب يتمثل أساسا في التنسيق وضمان انسجام الجهود الإنسانية، ويسعى للتأكد من أن جميع الشركاء والجهات الفاعلة يمتلكون الأدوات اللازمة لتقديم المساعدة للأشخاص الذين يعانون منذ ما يقرب من عامين بسبب هذه الحرب الطويلة والعنيفة للغاية".
واستطردت قائلة: "فرق الأمم المتحدة عملت خلال الفترة الماضية بشكل مكثف من أجل زيادة الاستجابة الإنسانية وتوسيع نطاق المساعدات المقدمة للسكان، إلا أن حجم الاحتياجات ما زال يفوق بكثير الإمكانيات المتاحة، لكننا لا نزال نحاول وسنستمر في ذلك"، منوهة إلى أن "الفرق الإنسانية المختلفة تعمل على مدار الساعة لتقديم المساعدات الممكنة".
وذكرت تشيريفكو أن العمل الإنساني لم يبدأ بعد وقف إطلاق النار فقط، إنما كان قائما منذ بداية الحرب، إلا أن وتيرة الجهود تصاعدت بشكل ملحوظ عقب وقف إطلاق النار، حيث جرى تكثيف التنسيق وجمع مختلف الجهات الفاعلة الإنسانية لضمان العمل المشترك وتفادي الازدواجية أو التضارب في تقديم المساعدات، ولفتت إلى أن المكتب يحرص على أن يكون جميع الشركاء على نفس المسار والنهج، من خلال تنسيق الجهود وتحديد الأولويات، والتأكد من وجود انسجام في العمل الإنساني، بما يسمح باستغلال الموارد المحدودة بأفضل شكل ممكن.
وأكدت تشيريفكو أن التقارير الميدانية تشير حتى الآن إلى وفاة 8 أطفال نتيجة البرد الشديد فقط، موضحة أن هذه الأرقام، رغم محدوديتها الظاهرية، تعكس خطورة الوضع، خاصة إذا استمرت العواصف وقيود العمل الإنساني على حالها.
وأضافت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في قطاع غزة، أن الصورة الأوسع أكثر قتامة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو مليون ومئة ألف شخص بحاجة ماسة إلى المأوى، وهذا الرقم يعكس أزمة حقيقية تتجاوز مسألة الخيام لتشمل انعدام البنية التحتية الأساسية اللازمة للعيش الآمن، وذكرت أن الاستجابة الإنسانية كانت بطيئة في مراحل سابقة بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة"، لافتة إلى أن "هذه القيود حالت دون التحرك بالسرعة المطلوبة قبل وصول العواصف، رغم أن هذه العواصف باتت تتكرر كل بضعة أيام في الفترة الأخيرة.
وأشارت تشيريفكو إلى أن الظروف الجوية القاسية، بما في ذلك الأمطار الغزيرة والفيضانات، تؤدي إلى استهلاك سريع لمستلزمات الناس المحدودة أصلا، ما يجعل الحاجة إلى الدعم أكثر إلحاحا مع كل عاصفة جديدة، وأكدت أن الأزمة لا تتعلق فقط بتوفير الخيام الجاهزة، بل أكبر وأخطر من ذلك"، لافتة إلى أن "بعض الأطفال والعائلات اضطروا إلى محاولة صناعة خيامهم بأنفسهم من مواد بدائية، في ظل غياب أبسط المقومات اللازمة لبناء ملاجئ آمنة.
وقالت تشيريفكو: "إن المنظمات الإنسانية تجد نفسها عاجزة عن تقديم الدعم المطلوب بسبب عدم السماح بإدخال المواد الأساسية، وهناك حاجة ماسة إلى معدات ثقيلة لإزالة الأنقاض، وإلى مواد بناء ومستلزمات إيواء، إلا أن الكثير من هذه الاحتياجات ما زال محظورا إدخالها حتى اللحظة، هذا الواقع يجعل من المستحيل توفير حتى أبسط الاحتياجات اللازمة لإنشاء ملاجئ تحمي الناس من البرد والمطر، ما يترك آلاف العائلات في مواجهة مباشرة مع الظروف المناخية القاسية".
وأكدت المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أن القرارات الصهيونية تُمثّل قيودا حقيقية على العمل الإنساني؛ فهذه القيود لا تسمح بتصعيد الاستجابة الإنسانية بالسرعة والحجم المطلوبين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حياة المدنيين، ونوّهت تشيريفكو إلى أن تأثير القيود الصهيونية لا يقتصر على الجوانب اللوجستية، انما يعرّض حياة الناس للخطر بشكل مباشر؛ فكل تأخير في إيصال المساعدات يعني مزيدا من المعاناة ومزيدا من الأرواح المهددة للأسف الشديد.
وشددت تشيريفكو على أنه لو أتيح للمنظمات الإنسانية العمل دون عراقيل، لكان بالإمكان تلبية الاحتياجات الأساسية وحماية حياة آلاف الأشخاص، وخاصة الفئات الأكثر ضعفا، خلال فترة زمنية أقصر وبكفاءة أعلى، وأن الهدف الأساسي هو ضمان وصول المستلزمات العاجلة والخدمات الضرورية إلى مَن هم بأمس الحاجة إليها، دون تأخير أو عوائق، وهو ما يتطلب بيئة عمل إنسانية خالية من القيود.
وأكدت تشيريفكو أن المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها وكالات الأمم المتحدة، ستواصل عملها في غزة كما فعلت دائما"، مُشدّدة على أنها "لن تتخلى عن السكان الذين يحتاجون إلى الدعم، رغم صعوبة الظروف وحدّة القيود المفروضة، وأن المكتب الأممي سيستمر في التواصل اليومي مع السلطات الإسرائيلية، إلى جانب أطراف أخرى قادرة على التأثير في الاستجابة الإنسانية، في محاولة لتحسين الوصول الإنساني ورفع القيود المفروضة، وذكرت أن المطالبة بالوصول غير المقيّد وإدخال مزيد من المستلزمات ستبقى أولوية أساسية، بهدف رفع القدرة التشغيلية للمنظمات الإنسانية وتمكينها من العمل على نطاق أوسع وأكثر فاعلية.
وأكدت تشيريفكو أن هناك بعض التقدم الذي تحقق منذ وقف إطلاق النار، لكنها شدّدت على أن هذا التقدم لا يزال غير كاف ولا يرقى إلى مستوى التطلعات أو الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الهائلة في قطاع غزة، في حين قالت: "إن من بين التطورات الإيجابية التي تحققت مطلع شهر كانون الثاني/ يناير الجاري، نجاح المنظمات الإنسانية في توزيع حصص غذائية غطّت احتياجات غذائية لبعض الأسر والعائلات، وهذه خطوة مهمة، لكن الاستجابة يمكن أن تكون أفضل وأكثر كفاءة والأمم المتحدة قادرة على القيام بالمزيد وبوتيرة أسرع، شرط توفير بيئة عمل إنسانية آمنة بما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها دون عوائق".
وشددت تشيريفكو على أن الاستجابة الإنسانية الحالية، رغم أهميتها، تظل دون المستوى المطلوب، وأن رفع القيود والسماح بالعمل الإنساني الكامل يبقى الشرط الأساسي لتجنب المزيد من المآسي، وحماية المدنيين، وخاصة الأطفال، من تبعات البرد والحرب معا.








