
في واحدة من أكثر الإدانـات جرأة منذ اندلاع الحرب على غزة، كشف تقرير رسمي صادر عن الأمم المتحدة أنّ أكثر من ستين دولة حول العالم تتحمّل بدرجات متفاوتة مسؤولية “التواطؤ الجماعي” في جريمة الإبادة الجارية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، سواء عبر الدعم العسكري أو السياسي أو عبر الصمت المتواطئ الذي مكّن الاحتلال الإسرائيلي من مواصلة حربه على مدى عامين متتاليين، مخلفًا مئات آلاف الضحايا بين قتيل وجريح ومشرّد.
التقرير، الذي أعدّته المقرّرة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، حمل عنوانًا صريحًا: “غزة: جريمة جماعية.. الإبادة المستمرة بدعم دولي”.
وقد قُدّم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 2025، ضمن وثيقة رسمية رقمها A/80/492.
مضمون التقرير: “الإبادة الجماعية مستمرة بدعم عالمي”
وأكدت ألبانيز في تقريرها أن ما يحدث في غزة لا يمكن تصنيفه إلا كـ “إبادة جماعية مكتملة الأركان”، تنفّذها (إسرائيل) ضد سكان مدنيين محاصرين، باستخدام أدوات الحرب الشاملة: القصف، التجويع، التهجير القسري، واستهداف البنى الصحية والإنسانية.
وأضاف التقرير أن هذه الجرائم “ما كانت لتستمر لولا الدعم المباشر وغير المباشر من عشرات الدول”، إذ وثّق مشاركة أو مساهمة 63 دولة — وفق توصيف الأمم المتحدة — في استمرار الحرب أو في تمكين الاحتلال من تنفيذها، سواء عبر:
تزويد (إسرائيل) بالأسلحة والمعدات العسكرية.
- توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية.
- عرقلة قرارات وقف إطلاق النار أو فرض العقوبات.
- أو عبر الصمت والتقاعس عن اتخاذ أي إجراء للمنع أو المحاسبة. وتعتبر المقرّرة الأممية أن هذه الأفعال تشكّل، وفق القانون الدولي، “مشاركة فعلية أو تسهيلًا لجريمة جماعية”، لأنّ واجب الدول لا يقتصر على عدم المشاركة، بل يتضمن الالتزام القانوني بمنع الإبادة حين تكون على علم بوقوعها أو خطر وقوعها.
مسؤولية الدول “الثالثة”: التواطؤ بالصمت أخطر من المشاركة
يركّز التقرير على مفهوم “مسؤولية الدول الثالثة”، أي تلك التي ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، لكنها تمتلك أدوات التأثير عليه.
ويشير إلى أنّ السكوت عن الجرائم أو الاستمرار في العلاقات العسكرية والاقتصادية مع الاحتلال رغم التحذيرات الدولية يُعدّ نوعًا من التواطؤ.
وأبرز التقرير أن بين الدول المتهمة بالتواطؤ عددًا من القوى الغربية الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، وكندا، إلى جانب دول آسيوية وأوروبية أخرى.
في المقابل، أشار إلى أن بعض الدول — كجنوب أفريقيا، وماليزيا، والبرازيل، وبوليفيا — تبنّت مواقف قانونية وأخلاقية واضحة بمقاضاة (إسرائيل) أمام محكمة العدل الدولية، ورفضت أي تواطؤ في استمرار الإبادة.
دلائل الجريمة
أرفق التقرير الأممي عشرات الشهادات والصور الموثقة، وأكد أن الحصار الشامل على غزة، وتجويع المدنيين، ومنع الدواء والوقود، يشكل سياسة إبادة جماعية وفق المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة لعام 1948.
كما رصد التقرير أكثر من 150 ألف حالة وفاة مباشرة أو غير مباشرة، وآلاف حالات البتر والأمراض الناتجة عن الجوع والحرمان، مؤكّدًا أن “الهدف من الحصار ليس حماية أمن (إسرائيل)، بل تحطيم مقومات الحياة في غزة.”
نداء إلى المجتمع الدولي
وطالبت ألبانيز الأمم المتحدة بفرض حظر شامل على تصدير السلاح إلى (إسرائيل)، ودعت إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة لمحاسبة الدول المتورطة في التواطؤ، سواء عبر تزويد الاحتلال بالسلاح أو عبر الدعم السياسي الذي مكّنه من الإفلات من العقاب.
وقالت في نص التقرير: “ما يجري في غزة هو جريمة جماعية لا يمكن أن تستمر دون بنية دولية متواطئة ومتراخية، وهو اختبار تاريخي للمجتمع الدولي ولقدرته على إنفاذ القانون الإنساني.”
ردود الفعل: بين التنديد والإنكار
قوبل التقرير الأممي بترحيب واسع من المنظمات الحقوقية الدولية والعربية، التي وصفته بأنه “أول وثيقة رسمية تكشف التواطؤ الغربي في الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين”.
من جانبها، رفضت (إسرائيل) التقرير واعتبرته “منحازًا ومعاديًا للسامية”، فيما تجاهلت معظم الدول الغربية الإشارة المباشرة إليها، مكتفية بتصريحات مقتضبة حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.
في المقابل، أعلنت دول مثل جنوب أفريقيا وماليزيا والبرازيل دعمها الكامل لتوصيات التقرير، وطالبت الأمم المتحدة بخطوات تنفيذية “لإنهاء الإفلات من العقاب”.
تقرير الأمم المتحدة الأخير ليس مجرد وثيقة حقوقية، بل شهادة تاريخية على مرحلة من الصمت الدولي والتواطؤ الجماعي في واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها العصر الحديث.







