
يثير نشاط منظمة "ناتان" الإسرائيلية في قطاع غزة، وحديثها عن تقديم خدمات صحية وغذائية وتعليمية للأطفال، تساؤلات بشأن الأبعاد السياسية والأمنية التي قد تتجاوز الجانب الإنساني المعلن.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن حصول الأطفال الفلسطينيين على الغذاء والدواء والتعليم "حق أصيل"، لكن الإشكالية تبدأ، وفق رأيه، عندما تقدم مؤسسة إسرائيلية نفسها باعتبارها الجهة التي توفر هذه الخدمات، بينما تتحمل إسرائيل مسؤولية الدمار والقتل والتهجير الذي أدى إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية في القطاع.
القرا: الاحتلال يدمر ثم يقدم نفسه كجزء من الحل
ويقول القرا في حديث صحفي لـ الأقصى نت إن المفارقة تكمن في أن المنظومة الصحية والتعليمية في غزة تعرضت للدمار، ثم تظهر مؤسسة إسرائيلية لتقديم الدواء والطعام والتعليم، بما قد يسمح بتسويق صورة أمام العالم مفادها أن "إسرائيليين يساعدون أطفال غزة".
ويحذر من أن تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة للعلاقات العامة قد يؤدي إلى تبييض صورة الاحتلال وإعادة تقديم إسرائيل باعتبارها جزءًا من الحل، بدل إبقائها موضع مساءلة عن الانتهاكات والدمار الذي تعرض له القطاع.
التعليم.. ساحة للصراع على الرواية
ويعتبر القرا أن الجانب التعليمي أكثر حساسية، باعتبار أن التعليم يرتبط بالوعي والهوية والذاكرة والرواية، متسائلًا عن طبيعة المحتوى والمعايير التي يمكن أن تحكم أي برامج تعليمية تشارك فيها جهة إسرائيلية.
ويطرح تساؤلات بشأن إمكانية التعامل مع الحديث عن الاحتلال والاستيطان واللاجئين والأسرى والحقوق الفلسطينية باعتباره "تحريضًا" أو "كراهية"، معتبرًا أن المسألة قد تتجاوز تقديم المساعدة إلى التأثير في وعي الأطفال والرواية الفلسطينية.
أبو قمر: هدفان وراء النشاط الإسرائيلي
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن نشاط منظمات إسرائيلية في غزة يمكن قراءته من زاويتين رئيسيتين: تحسين صورة إسرائيل والتهرب من تداعيات ملف الإبادة، إلى جانب البعد الأمني.
ويقول أبو قمر في حديث صحفي لـ الأقصى نت إن إسرائيل تسعى، من خلال إبراز نشاط إنساني داخل القطاع، إلى تقديم صورة مختلفة عن صورتها المرتبطة بالحرب والدمار، معتبرًا أن هذه الصورة تعرضت لتضرر واسع على المستوى الدولي.
بين الإغاثة والدعاية
ويربط أبو قمر هذا النشاط بما يصفه بمحاولات إسرائيلية سابقة لتقديم نفسها في إطار إنساني، مستشهدًا بما أثير حول "مؤسسة غزة الإنسانية"، التي قال إنها قُدمت باعتبارها جهة إغاثية، بينما ارتبط عملها، وفق قوله، بسقوط ضحايا فلسطينيين قرب نقاط توزيع المساعدات.
ويعتبر أن توظيف البعد الإنساني في الخطاب الإسرائيلي يأتي ضمن محاولة أوسع لإعادة تشكيل صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وإظهارها باعتبارها لا تقتصر على العمل العسكري، بل تقدم أيضًا مساعدات للسكان.
أبو قمر: البعد الأمني لا يمكن تجاهله
ويضيف أبو قمر أن النشاط الإنساني قد يحمل، من وجهة نظره، بعدًا أمنيًا، عبر إمكانية الوصول إلى مناطق وسكان وجمع معلومات تحت غطاء العمل الإغاثي، مستندًا إلى ما وصفه بتقارير سابقة عن نشاط جهات إسرائيلية في مناطق داخل غزة.
ويحذر من أن حاجة السكان للمساعدات قد تجعل العمل الإغاثي مدخلًا للوصول إلى معلومات دقيقة عن المجتمع والمناطق، داعيًا إلى التعامل بحذر مع أي نشاط إسرائيلي داخل القطاع.
ما البديل؟
ويتفق المحللان على أن احتياجات غزة الإنسانية لا يمكن إنكارها، لكنهما يختلفان عن الطابع والأهداف المحتملة للنشاط الإسرائيلي.
ويؤكد القرا أن الاستجابة الإنسانية ينبغي أن تتم عبر المؤسسات الفلسطينية والهيئات الدولية المستقلة، مع ضمان وصول المساعدات إلى السكان، فيما يرى أبو قمر أن المدخل الأساسي للإغاثة يتمثل في فتح المعابر وإدخال الاحتياجات الأساسية للقطاع بصورة كافية.
وبينما تبقى المساعدات ضرورة عاجلة لسكان غزة، يطرح نشاط المؤسسات الإسرائيلية سؤالًا أوسع: هل يمكن فصل العمل الإنساني عن الأهداف السياسية والأمنية في ظل استمرار الحرب وتداعياتها؟








