iconsHoverShake
iconsHoverShake
iconsHoverShake
القدس
GMT
rss iconshahid icon
تقصير واضح في ملف 11 ألف مفقود
الصليب الأحمر.. ثلاث سنوات من ازدواجية المعايير
اﻷربعاء, 2 سبتمبر 2026
شارك الخبر
image

انتقد رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبدو، بشدة، أداء اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ملف المفقودين والمخفيين قسرًا في قطاع غزة، معتبرًا أن ما قدمته اللجنة بشأن آلاف العائلات التي لا تزال تجهل مصير أبنائها لا يعكس الدور الذي يفترض أن تضطلع به الجهة الدولية المختصة بتتبع مصير المفقودين، بل يكشف، عن إهمال وتقصير وازدواجية في معايير التعامل مع الفلسطينيين.

المخفيين قسرا

وقال عبدو، في منشور له عبر "فيسبوك"، إنه تابع ما نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤخرًا بشأن المفقودين والمخفيين قسرًا في غزة، لكنه رأى أن المادة المنشورة "سطحية وساذجة"، ولا تعكس حجم المسؤولية التي كان يفترض أن تتحملها اللجنة طوال سنوات الحرب، ولا حجم المأساة التي تعيشها آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت الاتصال بأبنائها ولا تعرف إن كانوا أحياء أم معتقلين أم تحت أنقاض المنازل المدمرة.

ويضع عبدو أمام اللجنة سبعة أدوار أساسية يرى أنها تقع في صميم عملها في ملف المفقودين، مؤكدًا أن أداءها في الحالة الفلسطينية كان، بحسب تقييمه، غائبًا أو شديد القصور في معظم هذه الملفات.

ويتمثل الدور الأول، وفق عبدو، في استقبال بلاغات العائلات عن المفقودين وفتح ملفات تتبع فردية تتضمن هوية الشخص وظروف اختفائه وأي معلومات يمكن أن تساعد في الوصول إلى مصيره. ويقول إن هذا الجانب شهد "جهدًا قاصرًا بل غائبًا"، إذ لم يرَ توجيهًا كافيًا للعائلات بشأن آليات الإبلاغ، ولا محاولات جادة للوصول إلى أماكن وجود المفقودين أو بناء ملفات متكاملة بشأنهم.

مصير المفقودين

أما الدور الثاني، فيتعلق بـالبحث عن مصير المفقود ومكان وجوده، وجمع المعلومات ومطابقتها بين مختلف الجهات، بما فيها السلطات والمستشفيات ومراكز الاحتجاز والجهات المعنية بالبحث عن المفقودين. ويشير عبدو إلى أن وكالة البحث المركزية التابعة للصليب الأحمر يفترض أن تؤدي دورًا محوريًا في هذا المجال، لكنه يصف الجهد المبذول تجاه المفقودين الفلسطينيين بأنه "صفر جهد".

ويضع عبدو كذلك مسألة الحصول على المعلومات من طرفي النزاع في صلب مسؤولية اللجنة، ولا سيما بشأن الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا قد تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز. ويقول إن اللجنة كان يفترض أن تطالب بالحصول على معلومات بشأن مصير هؤلاء الأشخاص، سواء كانوا أحياء أو متوفين، وأن تمارس ضغطًا إنسانيًا واضحًا للحصول على هذه البيانات، لكنه يرى أن هذا الجانب تحديدًا شهد "صفر مطالبات وجهود بالضغط على كيان الإبادة".

الاحتجاز والتسجيل

ويشير إلى دور رابع يتعلق بـالتحقق من احتمالات الاحتجاز وتسجيل الأشخاص المحرومين من حريتهم وتمكين عائلاتهم من التواصل معهم أو معرفة مصيرهم، معتبرًا أن ما جرى على هذا الصعيد لم يرتقِ إلى مستوى الحاجة الفعلية للعائلات الفلسطينية، ولم يوفر لها آلية جدية للتحقق من أماكن وجود أبنائها.

وفي الدور الخامس، يتحدث عبدو عن استعادة الروابط العائلية ونقل الأخبار بين أفراد الأسرة وتسهيل إعادة التواصل أو لمّ شمل العائلات، وهو ما يقول إنه لم يشهد جهدًا حقيقيًا في ملف المفقودين الفلسطينيين، واصفًا هذا الجانب أيضًا بأنه "صفر جهد".

ولا يتوقف الأمر، بحسب عبدو، عند الأشخاص الذين يُعتقد أنهم أحياء، إذ إن الجزء الأكثر تعقيدًا يتعلق بمن يُرجح أنهم قضوا تحت القصف أو في أماكن الاحتجاز أو تحت الأنقاض. وهنا يرى أن اللجنة يفترض أن تضطلع بدور في البحث عن الرفات وانتشالها والمساعدة في تحديد هوية أصحابها وحماية كرامتهم ودعم الجهات المختصة في الطب الشرعي وإدارة المعلومات، وصولًا إلى إعادة الرفات إلى عائلاتها.

كارثة اضافية

ويشدد عبدو على أن هذا الملف يواجه كارثة إضافية في غزة، قائلًا: "لا يوجد جهاز فحص واحد في غزة، ولا أي جهود بحث أو تعرف على الضحايا"، معتبرًا أن غياب القدرة المحلية لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لترك آلاف العائلات أمام المجهول.

أما الدور السابع، فيتصل بـالدعم النفسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي للعائلات التي تعيش مأساة فقدان أحد أفرادها، ويقول عبدو إن هذا الجانب بدوره لم يشهد، في الحالة الفلسطينية، ما يتناسب مع حجم الكارثة، واصفًا الجهد المبذول بأنه "صفر جهد".

تحت الانقاض

انتقادات عبدو تتقاطع في جزء أساسي منها مع ما تقوله اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها عن طبيعة ملف المفقودين. ففي مادة نشرتها في 30 أغسطس/آب، أقرت اللجنة بأن آلاف العائلات في غزة لا تزال تعيش حالة من عدم اليقين بشأن مصير أبنائها، وأن بعض المفقودين غابوا منذ نحو ثلاثة أعوام، فيما لا تعرف عائلاتهم ما إذا كانوا أحياء أو معتقلين أو قضوا تحت الأنقاض.

وتقول اللجنة إن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتحديد مصير الأشخاص المبلغ عن فقدانهم وتزويد عائلاتهم بالمعلومات المتاحة، كما تشير إلى أنها تدعم عمليات البحث عن جثامين الموتى وانتشالها، وتساعد الجهات المختصة في إدارة الرفات وتوثيقها وضمان إمكانية تتبعها.

طبيعة المهمة

لكن المفارقة التي يطرحها عبدو تبدأ من هنا تحديدًا: إذا كانت هذه هي طبيعة المهمة التي تقول اللجنة إنها تضطلع بها، فأين كانت هذه الآليات طوال سنوات الحرب في غزة؟

فالقانون الدولي الإنساني لا ينظر إلى جثامين ضحايا النزاعات باعتبارها مجرد أجساد تُنقل أو تُدفن، وإنما يضع قواعد واضحة لتأكيد الوفاة وتحديد الهوية وتسجيل المعلومات المتعلقة بالموتى وأماكن دفنهم. كما تنص قواعد القانون الدولي الإنساني على اتخاذ التدابير الممكنة للبحث عن الموتى وجمعهم وإجلائهم، وعلى تسجيل المعلومات المتاحة بما يسمح بالتعرف إلى هوياتهم لاحقًا.

وتوجد كذلك آليات دولية مخصصة لتبادل معلومات المفقودين؛ إذ تنص اتفاقيات جنيف على وكالة مركزية للمعلومات، فيما تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن وظيفة البحث عن المفقودين تُنفذ عمليًا من خلال وكالة البحث المركزية التابعة لها، التي تتولى جمع المعلومات المتعلقة بالمفقودين والمساعدة في تتبع مصيرهم.

الدور النظري

وهنا تحديدًا يضع عبدو الفارق بين الدور النظري للصليب الأحمر والدور الذي يرى أنه مورس فعليًا في غزة، معتبرًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بضعف الإمكانات الطبية أو غياب مختبرات فحص الحمض النووي، وإنما بغياب منظومة متكاملة لتلقي البلاغات، وفتح ملفات المفقودين، وجمع المعلومات، والضغط للحصول عليها، وربطها بمعلومات الأطراف المختلفة.

ولا تنفصل أزمة المفقودين في غزة عن ملف أوسع يتعلق بالجثامين الفلسطينية التي لا تزال محتجزة لدى سلطات الاحتلال. فبحسب الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومنظمات الأسرى الفلسطينيين، تحتجز "إسرائيل" 799 جثمانًا فلسطينيًا على الأقل جرى التعرف إلى هويات أصحابها، بينهم 81 طفلًا و10 نساء، فيما يوجد 256 جثمانًا في ما يعرف بـ"مقابر الأرقام"، إضافة إلى 99 جثمانًا لفلسطينيين كانوا معتقلين لدى "إسرائيل".

الجثامين الفلسطينية

ولا يمثل رقم 799 العدد النهائي، إذ تشير تقارير في وسائل إعلام إلى أن عدد الجثامين الفلسطينية التي قد تكون لا تزال محتجزة لدى "إسرائيل" يقترب من 1700 جثمان، مع بقاء هوية عدد كبير منها مجهولة. كما وثقت الحملة إعادة 930 جثمانًا إلى قطاع غزة بعد أن كانت محتجزة لدى الاحتلال خلال الحرب، مطالبة بتحقيق مستقل في ظروف احتجاز الجثامين وكيفية التعامل معها.

وتكشف هذه الأرقام عن جانب آخر من أزمة المفقودين، إذ لا يقتصر الأمر على أشخاص انقطعت أخبارهم ولا يُعرف إن كانوا أحياء أو معتقلين أو تحت الأنقاض، بل يمتد إلى جثامين معلومة الهوية وأخرى مجهولة، وعائلات تعرف أن أبناءها قتلوا لكنها لا تعرف أين توجد جثامينهم أو متى يمكن استعادتها. وهو ما يضاعف من أهمية الدور الذي تحدث عنه عبدو في البحث عن المفقودين، وجمع المعلومات، وتحديد هويات الموتى، وتتبع أماكن وجود الرفات وإعادتها إلى عائلاتهم.

حجم القضية

وفي الوقت الذي تتحدث فيه اللجنة الدولية عن آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر إجابات، يبقى حجم القضية الفلسطينية أكبر من مجرد حالات فردية متفرقة. فبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، يبلغ عدد المفقودين في القطاع 11,200 شخص، ما يجعل ملف المفقودين واحدًا من الملفات الإنسانية المفتوحة التي خلفتها الحرب، إلى جانب ملف الشهداء والجرحى والنازحين والدمار.

وهذه الأرقام لا تختصر حجم المأساة، بقدر ما تكشف اتساعها؛ فخلف كل اسم مفقود عائلة تنتظر معلومة، وأم لا تعرف إن كان ابنها حيًا، وزوجة لا تعرف مصير زوجها، وأطفال ينتظرون عودة أب أو أخ، وعائلات أخرى تعرف أن أبناءها ربما قضوا، لكنها لا تعرف أين دُفنت جثامينهم ولا تملك وسيلة للتأكد من هوياتهم.

ازدواجية المعايير

ويرى عبدو أن القضية لا تتعلق فقط بمادة نشرتها اللجنة الدولية بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب، وإنما بمراجعة دورها الفعلي في ملف المفقودين الفلسطينيين، معتبرًا أن التباين بين مستوى الدور الذي يفترض أن تقوم به اللجنة وبين ما حدث على الأرض يكشف ازدواجية في معايير تعاملها مع الفلسطينيين وخللًا واضحًا في أدائها كقناة إنسانية مختصة بملف المفقودين.

وتفرض أزمة المفقودين في قطاع غزة إعادة النظر فلسطينيًا ودوليًا في آليات التعامل مع هذا الملف، والبحث عن بدائل وضمانات دولية توفر للعائلات الفلسطينية غطاءً إنسانيًا جادًا، يضمن الوصول إلى الحقيقة بشأن مصير المفقودين، وتحديد هويات الموتى، وتتبع أماكن رفاتهم والعمل على إعادتها إلى عائلاتهم، بما يضع هذه القضية في صدارة مسؤوليات العمل الإنساني، بدل بقائها ملفًا مفتوحًا على الانتظار والمجهول.

نسخ الرابط
غزة
روابط هامة
الترددات
في حال عدم ظهور القناة يرجى إعادة البحث عنها من خلال جهاز الاستقبال على القمر الصناعي
rss icon
shahid icon