iconsHoverShake
iconsHoverShake
iconsHoverShake
القدس
GMT
rss iconshahid icon
الأرقام لا تتوقف عند من فقدوا حياتهم
حرب غزة تفتح جبهة نفسية داخل جيش الاحتلال.. تصاعد الانتحار ومحاولاته بين الجنود
اﻷثنين, 10 أغسطس 2026
شارك الخبر
image

لم يعد أثر الحرب التي يشنها جيش الاحتلال على قطاع غزة يُقاس بما يعلنه من خسائر في ساحات القتال فقط؛ فداخل المؤسسة العسكرية نفسها تتراكم كلفة أخرى أقل ظهورًا، لكنها تزداد وضوحًا مع مرور الوقت، بعدما تحولت حالات الانتحار ومحاولاته والإصابات النفسية بين الجنود إلى ملف يفرض نفسه على المؤسسة السياسية والعسكرية في "إسرائيل".

أقدم طالب في دورة الطيران التابعة لسلاح الجو "الإسرائيلي" على الانتحار داخل قاعدة عسكرية في جنوب فلسطين المحتلة، وفق ما أوردته صحيفة "هآرتس" اليوم الاثنين، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف الصحة النفسية داخل أحد أكثر المسارات العسكرية انتقائية وحساسية في جيش الاحتلال.

أزمة أوسع

ولم تكن حادثة اليوم منفصلة عن سلسلة من الوقائع المسجلة خلال الأشهر الماضية؛ إذ شهد يوليو/تموز الماضي انتحار مجندتين في الخدمة النظامية وجندي من قوات الاحتياط، فيما كانت المؤسسة العسكرية قد سجلت قبل ذلك ارتفاعًا متواصلًا في أعداد الجنود الذين ينهون حياتهم أو يحاولون ذلك.

وتكشف الأرقام التي عرضتها مؤسسات إسرائيلية أمام "الكنيست" أن عدد حالات الانتحار في صفوف جيش الاحتلال ارتفع من 14 حالة عام 2022 إلى 17 في 2023، ثم 21 في 2024، وصولًا إلى 22 حالة خلال عام 2025، وهو أعلى رقم مسجل منذ سنوات طويلة.

لكن الأرقام لا تتوقف عند من فقدوا حياته، فبين يناير/كانون الثاني 2024 ويوليو/تموز 2025، سجل جيش الاحتلال 279 محاولة انتحار بين جنوده، في رقم يكشف اتساع الظاهرة بعيدًا عن الحالات التي تنتهي بالوفاة، ويعكس حجم الأزمة النفسية التي تراكمت داخل صفوف الجيش خلال الحرب. كما أظهرت البيانات أن نسبة المقاتلين بين حالات الانتحار ارتفعت إلى 78% في عام 2024، بعدما كانت تتراوح بين 42 و45% خلال السنوات السابقة للحرب.

وبينما تحظى حالات الانتحار بالاهتمام الأكبر، فإنها تمثل جانبًا واحدًا من أزمة أوسع. فوزارة الحرب "الإسرائيلية" تحدثت عن نحو 11 ألف جندي يعانون إصابات نفسية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشمل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، في وقت تتواصل فيه عمليات التجنيد والاحتياط والعودة المتكررة إلى ساحات القتال.

وتظهر المعطيات أن المشكلة لا ترتبط فقط بالجنود الموجودين حاليًا في الخدمة؛ إذ أصبح جنود الاحتياط جزءًا بارزًا من الظاهرة، بعدما أمضى كثير منهم فترات طويلة في الخدمة منذ بداية الحرب، في ظل تعدد جولات الاستدعاء وامتداد القتال على أكثر من جبهة.

ولا ترتبط التداعيات النفسية للحرب، بالضرورة، بما تعرض له جنود الاحتلال خلال المعارك وما واجهوه من عمليات المقاومة الفلسطينية فحسب؛ إذ يبرز عامل آخر يتعلق بالأفعال التي شارك فيها بعض الجنود خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة، في ظل اتهامات وتحقيقات دولية وحقوقية بشأن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد المدنيين.

تورط بالجرائم 

فالمشاركة في عمليات قتل وتدمير واسعة النطاق، وما رافق الحرب من استهداف للمدنيين والمنشآت والأحياء السكنية، قد تضع بعض الجنود أمام عبء نفسي وأخلاقي مختلف، خصوصًا مع استمرار توثيق الانتهاكات وصدور اتهامات بارتكاب جرائم جماعية في القطاع.

وبذلك، فإن الأزمة النفسية داخل جيش الاحتلال لا يمكن اختزالها في الخوف من المقاومة أو صدمة القتال، بل يمكن النظر إليها أيضًا من زاوية أخرى تتعلق بما عاشه الجنود وما شاركوا فيه خلال الحرب، وما قد يترتب على ذلك من شعور بالذنب أو الصراع الأخلاقي أو اضطرابات نفسية لدى بعضهم، وهي عوامل يصعب قياسها بدقة في الإحصاءات العسكرية الرسمية.

وفي الوقت الذي يحاول فيه جيش الاحتلال تقديم خدمات نفسية أوسع للجنود، تكشف البيانات عن فجوة في الوصول إلى هذه الخدمات؛ إذ لم يكن سوى جزء محدود من الجنود الذين انتحروا قد التقى ضابطًا للصحة النفسية خلال الفترة السابقة لوفاتهم.

وهنا تتسع الصورة: جندي يعود من غزة لا يعود بالضرورة من الحرب عندما يغادر القطاع. فالمشاهد التي عاشها، والعمليات التي شارك فيها، والضغط المتراكم خلال الخدمة، يمكن أن تستمر معه بعد العودة إلى القاعدة والمنزل، وهو ما دفع مختصين إلى الحديث عن اضطرابات نفسية وإصابات أخلاقية مرتبطة بتجربة الحرب نفسها.

وتكشف البيانات "الإسرائيلية" تحولًا آخر في طبيعة الظاهرة، يتمثل في الحضور المتزايد لجنود الاحتياط بين المنتحرين.

فالحرب فرضت على جيش الاحتلال نمطًا غير مسبوق من استدعاء قوات الاحتياط، وأبقت آلاف الجنود في الخدمة لفترات ممتدة، ما جعل العودة المتكررة إلى القتال جزءًا من حياة شريحة واسعة منهم.

ولذلك لم تعد تداعيات الحرب محصورة في من يشاركون في العمليات العسكرية لحظة بلحظة، بل امتدت إلى من يفترض أنهم عادوا إلى حياتهم المدنية، قبل أن يُستدعوا مجددًا إلى الجبهة.

وتتعامل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" مع هذه المشكلة عبر توسيع خدمات الصحة النفسية وإنشاء أطر متخصصة للتعامل مع ردود الفعل القتالية، إلا أن استمرار تسجيل حالات الانتحار ومحاولاته يشير إلى أن الإجراءات المتخذة لم تتمكن من احتواء الظاهرة بالكامل.

ضغط الخدمة 

والأكثر تعقيدًا أن الصورة الرسمية قد لا تشمل كل من دفعوا الثمن النفسي للحرب، فالمناقشات داخل "الكنيست" تناولت أيضًا أوضاع جنود احتياط وجنود مسرحين من الخدمة أنهوا حياتهم بعد مغادرة الجيش، الأمر الذي يفتح سؤالًا حول حجم الأثر الذي تتركه الحرب بعد انتهاء المهمة العسكرية رسميًا.

وبذلك، فإن ما يجري داخل جيش الاحتلال لا يبدو مجرد سلسلة حوادث منفصلة، بل مسارًا يتداخل فيه طول الحرب مع ضغط الخدمة، وتكرار الاستدعاء، والقتال المستمر، والإصابات النفسية التي لا تظهر في بيانات القتلى والجرحى العسكرية.

وبينما تواصل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" التعامل مع هذه الحالات باعتبارها ملفًا صحيًا ونفسيًا، تكشف الوقائع أن آثار الحرب باتت تتجاوز ساحات القتال إلى حياة الجنود خارجها، في وقت لا تزال فيه تداعيات ما جرى في غزة تتراكم داخل الجيش، من دون أن تملك المؤسسة العسكرية إجابة واضحة عن حدود هذه الكلفة أو المدى الذي يمكن أن تصل إليه.

نسخ الرابط
فلسطين
روابط هامة
الترددات
في حال عدم ظهور القناة يرجى إعادة البحث عنها من خلال جهاز الاستقبال على القمر الصناعي
rss icon
shahid icon