
لم يكن اسم المقررة الأممية الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، "فرانشيسكا ألبانيز"، معروفًا لدى الرأي العام العالمي كما هو اليوم. فمع تصاعد الحرب على غزة، وتحولها إلى واحدة من أكثر الأصوات الدولية انتقادًا للسياسات "الإسرائيلية" وتحذيرًا من مخاطر الإبادة الجماعية وفضحها، انتقلت من خبيرة قانونية تعمل داخل أروقة الأمم المتحدة إلى واحدة من أشهر المقررين الخاصين في المنظمة الدولية، ورمز حقوقي يحظى بمتابعة واسعة ودعم متزايد في أنحاء العالم.
ومنذ الأشهر الأولى للحرب على غزة، تحولت تقارير "ألبانيز" إلى واحدة من أكثر الوثائق الأممية تداولًا في الأوساط الحقوقية والإعلامية الدولية.
فقد ركزت في تقاريرها وتصريحاتها على توثيق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وسلطت الضوء على أعداد الضحايا المدنيين، والتدمير واسع النطاق للبنية التحتية، والحصار، والتهجير القسري، وقضايا المساءلة القانونية.
ومع تصاعد الحرب، أصبحت تقاريرها مرجعًا أساسيًا في النقاشات المتعلقة بطبيعة الجرائم المرتكبة في غزة وحدود مسؤولية المجتمع الدولي تجاهها، فيما تجاوز تأثيرها أروقة الأمم المتحدة ليصل إلى البرلمانات والجامعات والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام العالمية.
وفي المقابل، وضعتها هذه المواقف في مواجهة حملات سياسية وإعلامية مكثفة، واتهمها خصومها بالانحياز، بينما رأى مؤيدوها أنها من بين الأصوات الأممية القليلة التي واصلت إثارة ملف المساءلة القانونية بشأن ما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة.
وُلدت "فرانشيسكا ألبانيز" في إيطاليا، وتخصصت في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وعملت لسنوات في مجالات الحماية الدولية وقضايا اللاجئين والهجرة، كما تعاونت مع مؤسسات ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
واكتسبت خبرة واسعة في الملف الفلسطيني قبل توليها منصبها الأممي، إذ عاشت لفترة في القدس المحتلة وتنقلت بين مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، ما منحها معرفة مباشرة بالواقع الميداني إلى جانب خبرتها القانونية والأكاديمية.
وفي عام 2022، عُيّنت مقررة خاصة للأمم المتحدة معنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خلفًا للمقرر السابق مايكل لينك، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.
ومنذ بداية ولايتها، سعت إلى التركيز على البنية القانونية والسياسية للاحتلال "الإسرائيلي"، معتبرة أن استمرار الاحتلال لعقود طويلة لا يمكن النظر إليه باعتباره وضعًا مؤقتًا، بل منظومة متكاملة تؤثر في مختلف جوانب حياة الفلسطينيين.
في أول تقرير قدمته أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وصفت "ألبانيز" الاحتلال "الإسرائيلي" بأنه "غير قانوني"، معتبرة أنه لا يمكن فصله عما وصفته بالبنية "الاستيطانية الاستعمارية".
وقالت آنذاك إن استمرار الاحتلال لأكثر من خمسة عقود يمثل ظاهرة استثنائية في التاريخ الحديث، مشيرة إلى أن هذا الواقع حرم الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير والسيادة على أرضهم ومواردهم الطبيعية.
كما تحدثت عن سياسات قالت إنها تهدف إلى قمع النشاط السياسي الفلسطيني ومحو مظاهر الهوية والثقافة الوطنية، مؤكدة أن ما تمكنت من تضمينه في التقرير لا يمثل سوى جزء من واقع أوسع وثقته مؤسسات حقوقية وأممية على مدار سنوات.
وفي مقابلات إعلامية لاحقة، أوضحت أنها كانت تتوقع أن تلقى هذه المقاربة صدى أكبر لدى دول الجنوب العالمي التي عاشت تجارب استعمارية مشابهة، بينما رأت أن جزءًا من الدول الغربية ما زال يتعامل مع القضية الفلسطينية من خلال مقاربات مختلفة.
ففي وقت اكتفى فيه كثير من المسؤولين الدوليين ببيانات دبلوماسية حذرة، تبنت المقررة الأممية خطابًا قانونيًا مباشرًا ركز على مفاهيم المساءلة والإفلات من العقاب والجرائم الدولية.
وأصدرت سلسلة من التقارير والتصريحات حذرت فيها من خطورة ما يتعرض له المدنيون الفلسطينيون في غزة، معتبرة أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لمنع وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
ويرى مراقبون أن شهرة "ألبانيز" لم تأتِ من المنصب الأممي الذي تشغله بقدر ما جاءت من مواقفها الصريحة تجاه ما يجري في غزة. فبينما يلتزم كثير من المسؤولين الدوليين لغة دبلوماسية حذرة، اختارت "ألبانيز" استخدام توصيفات قانونية حادة تتعلق بالإبادة الجماعية والعقاب الجماعي والإفلات من العقاب، الأمر الذي جعلها محط اهتمام الإعلام العالمي والمنظمات الحقوقية، وفي الوقت نفسه هدفًا لحملات سياسية وإعلامية واسعة.
وشكّل تقريرها المعنون "تشريح عملية إبادة" نقطة تحول رئيسية في مسيرتها الدولية، ففي التقرير الذي صدر عام 2024، قالت "ألبانيز" إن الوقائع المتراكمة في غزة تستوجب تحقيقًا دوليًا جديًا بشأن احتمال ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وهو موقف أثار ردود فعل واسعة بين مؤيدين اعتبروه توصيفًا قانونيًا يستند إلى المعطيات الميدانية، ومنتقدين رأوا أنه يتجاوز حدود التفويض الأممي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت "ألبانيز" واحدة من أكثر الشخصيات الدولية ارتباطًا بالنقاش الدائر حول الحرب على غزة وتداعياتها القانونية والإنسانية.
وتعرضت "ألبانيز" منذ توليها المنصب لاتهامات متكررة بالانحياز لصالح الفلسطينيين، وهي اتهامات رفضتها باستمرار.
وأكدت في أكثر من مناسبة أنها ملزمة بنقل الوقائع كما هي وفق القانون الدولي، وأن دورها لا يقوم على خلق "تكافؤ زائف" بين طرفين يعيشان واقعًا مختلفًا من حيث القوة والسيطرة على الأرض.
كما شددت على أن عملها لا يمنعها من النظر في الانتهاكات التي قد ترتكبها أي جهة أخرى، مؤكدة أن معيارها الأساسي هو القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ورغم توليها منصب المقرر الخاص، لم تتمكن "ألبانيز" من زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال فترة ولايتها بسبب عدم تعاون "إسرائيل" مع ولايتها الأممية.
وقالت إن هذا المنع يحرمها من التواصل المباشر مع السكان والاطلاع على التطورات الميدانية عن قرب، رغم اعتمادها على تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والجهات العاملة على الأرض.
وأشارت إلى أن تجربتها السابقة في العيش بالقدس وزياراتها المتكررة للضفة الغربية وغزة قبل تولي المنصب ساعدتها في فهم الواقع الفلسطيني، لكنها أكدت أن المشهد الميداني تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب على غزة.
ومع تصاعد مواقفها بشأن الحرب، انتقلت الضغوط من السجال السياسي إلى الاستهداف الشخصي المباشر.
ففي عام 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها، في خطوة وصفتها "ألبانيز" بأنها عقاب على مواقفها وتقاريرها المتعلقة بغزة.
وقالت إن تلك العقوبات أثرت على حياتها الشخصية بصورة واسعة، وتسببت في تجميد أصول مالية وفرض قيود على تعاملاتها، ووصفت ما تعرضت له بأنه أقرب إلى "الموت المدني".
وكشفت كذلك أنها تلقت تهديدات بالقتل عقب نشر تقاريرها المتعلقة بالحرب، إضافة إلى تهديدات استهدفت أفرادًا من عائلتها، من بينها تهديدات طالت ابنتها، ما دفعها إلى طلب حماية أمنية.
كما تحدثت عن حملات تحريض وضغوط استهدفت زوجها، في إطار ما وصفته بحملة منظمة لمعاقبة كل من يرتبط بمواقفها أو يدعمها.
ورغم ذلك، رفضت الاستقالة من منصبها، وواصلت إصدار التقارير والمشاركة في الندوات والفعاليات الدولية المتعلقة بفلسطين وغزة.
وخلال السنوات الأخيرة، تجاوز حضور "ألبانيز" حدود الدور التقليدي للمقررين الأمميين، ففي الجامعات والمنتديات الحقوقية والفعاليات التضامنية، بات اسمها يحظى باهتمام واسع، وأصبحت محاضراتها تستقطب أعدادًا كبيرة من الحضور، فيما تحولت بالنسبة لكثير من الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى أحد أبرز الأصوات الدولية المدافعة عن الحقوق الفلسطينية.
وفي المقابل، يرى منتقدوها أن انخراطها الإعلامي والسياسي المكثف جعلها أقرب إلى دور الناشط الحقوقي منه إلى الخبير الأممي التقليدي، وهو انتقاد واجهته بالتأكيد على أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكن فصله عن الواقع السياسي الذي تنتج فيه الانتهاكات.
وهكذا تحولت "فرانشيسكا ألبانيز" من مقررة أممية متخصصة في ملف حقوق الإنسان إلى واحدة من أكثر الشخصيات الدولية حضورًا في النقاش حول فلسطين. فكلما ارتفعت كلفة مواقفها من الحرب على غزة، ازداد حضورها العالمي، لتصبح بالنسبة لكثيرين نموذجًا لمسؤول أممي اختار الدفاع عن مبادئ القانون الدولي رغم الضغوط.
بينما يرى منتقدوها أنها تجاوزت حدود دورها الأممي. لكن المؤكد أن اسمها بات اليوم من بين الأبرز داخل منظومة الأمم المتحدة، وأن شهرتها ارتبطت إلى حد كبير بمواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية ورفضها لما تصفه بالإبادة والانتهاكات الجسيمة في غزة.








