
كشف الكاتب الصهيوني في صحيفة هآرتس العبرية رافيت هيخت عبر مقال صحفي له، أن قضية استقطاب "الحريديم" وتجنيدهم في الجيش الصهيوني تتصدر محور الحملة الانتخابية المقبلة في الكيان الصهيوني؛ حيث يُصعّد قادة المعارضة الصهيونية من حدة هذا الملف لتوسيع الفجوة داخل الائتلاف الحاكم واستقطاب ناخبي اليمين.
وقد تحولت القضية إلى اختبار حقيقي للولاء السياسي، لدرجة وصم كل من يلتقي باليهود المتشددين "الحريديم" أو يتحدث عنهم باعتدال بالخيانة أو النفاق، وفي هذا السياق، تباينت دوافع المعسكر الليبرالي؛ فبينما يؤمن سياسيون مثل "يائير لابيد" بمبدأ المساواة في تحمل الأعباء، يُظهر آخرون مثل "أفيغدور ليبرمان" كراهية مستمرة لهم، ما يجعل الهجوم على تهربهم العسكري أداة سياسية أكثر من كونه ركناً أخلاقياً، على عكس "الصهيونية الدينية" التي ترى في مطلب التجنيد جزءاً من بنية أيديولوجية ترتبط بحالة الحرب الدائمة والتبرير الديني للقوة.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن قادة المعارضة بالغوا في تحويل هذه الحملة السياسية إلى راية للكراهية بدلاً من التركيز على قضايا أخطر، مثل "الكاهانية" الخبيثة (الفكر اليميني المتطرف) المتغلغلة في المجتمع اليهودي.
ومن هذا المنطلق، لا تشكل لقاءات شخصيات معتدلة مثل "غادي آيزنكوت" مع القيادي الحريدي "موشيه غافني"، أو تصريحات "يائير غولان" الهادئة أحداثاً تستدعي الإدانة، بل تعكس واقعية سياسية تؤكد أن "الحريديم" ليسوا مستبعدين من المفاوضات شأنهم شأن فلسطينيي 48 أو "الليكوديين".
علاوة على ذلك فإن الإصرار على تجنيد "جميع الحريديم" يُعد طرحاً شعبوياً؛ إذ إن دمج عشرات الآلاف منهم في "الجيش" قد يغير وجه المؤسسة العسكرية بالكامل ليصبح جيشاً مستمداً قوته من الوصايا التوراتية والأحكام الحاخامية، وهي خطوة مكملة للتغيير الذي أحدثته الصهيونية الدينية سابقاً.
وعلى الصعيد الوجودي والاقتصادي، يبرز مطلب تفكيك الحكم الذاتي "للحريديم" ودمجهم في سوق العمل كحاجة أكثر إلحاحاً وأقرب للتنفيذ من فرض التجنيد الإجباري؛ إذ إن التغيرات الديموغرافية والزيادة الحادة في أعدادهم - مع عيش نسبة كبيرة منهم في فقر - تثير تساؤلات حاسمة حول هوية من سيدفع الضرائب مستقبلاً، وكيفية الحفاظ على كيان صهيوني لا يعتمد جزء كبير من مواطنيه على أنفسهم اقتصادياً.
وعلى الرغم من أن تقارب بعض أطياف المعارضة معهم حالياً قد يهدف للمناورة وإثارة غضب بنيامين نتنياهو، خاصة في ظل التحولات الحضرية وتنافس "أرييه درعي" مع المتطرف "إيتامار بن غفير" على أصوات الناخبين، إلا أن بناء ائتلاف بديل وقادر على إضعاف تيار نتنياهو والكاهانية يتطلب استنفاد كل سبل التعاون مع "الحريديم" على أساس "عقد مدني جديد" يركز على الاقتصاد والعمل لا على العقد العسكري.








