
يستقبل نحو سبعين منزلاً فلسطينيًا شهر رمضان المبارك بغصة عميقة وألم يفيض بمرارة الفقد والغياب حيث تفتقد هذه العائلات أرواحاً كانت تشكل نبض الحياة اليومية وبهجة الاجتماعات العائلية التي سلبها الاحتلال خلف أسوار سجن الدامون ووسط هذه الأجواء المثقلة بالوجع.
تبرز قصة أربع وعشرين أماً انتُزعن قسراً من أحضانهن الدافئة ليتركن خلفهن أطفالاً يقضون أيامهم بلا حنان الأمومة وبلا مراسم الاستعداد للإفطار بينما تعيش هؤلاء الأمهات حالة من التمزق الوجداني حيث لا يمر الطعام من حلوقهن إلا ممزوجاً بدموع الشوق لأبناء حرموا من أبسط حقوقهم الإنسانية والاجتماعية في ظل اعتقال يطال الصحفيات والمهندسات والمحاميات وحتى القاصرات وطالبات العلم بتهم واهية تتعلق بالتعبير عن الرأي.
طفلة وحيدة
وتتجسد فصول المعاناة في قصة الطفلة إيلياء مليطات التي لم تتجاوز ربيعها العاشر حيث وجدت نفسها وحيدة تصارع مفاهيم السجن والحرية المسلوبة بعد أن غيبت زنازين الاحتلال والديها في آن واحد فوالدها يقبع تحت مقصلة الاعتقال الإداري ووالدتها أسيل معتقلة منذ أشهر مما حول حياة الطفلة من اللعب والدراسة إلى ترقب أخبار والديها عبر المحامين.
وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه لإيلياء أن تشارك والدتها إعداد مائدة الإفطار وتذاكر دروسها بجوارها باتت اليوم تواجه قسوة الحياة في عائلة مشتتة بين سجون مختلفة مما يعكس حجم الجريمة المرتكبة بحق الطفولة الفلسطينية التي أجبرت على النضوج قبل الأوان وفهم معنى الاعتقال قبل أن تشبع من ألعابها الصغيرة.
واقع مأساوي
وتكشف شهادات الأسيرات المحررات عن واقع مأساوي يتجاوز حدود الحرمان، حيث تروي المحررة دلال الحلبي كيف تعمدت إدارة السجون الصهيونية تضليل الأسيرات بمنحهن إمساكيات خاطئة جعلتهن يفطرن في غير الموعد المحدد قبل أن يكتشفن الحقيقة من أسيرات جدد.
وتضيف الحلبي أن سياسة تقديم الطعام البارد والرديء كانت سلاحاً يومياً للإذلال حيث تفتقر الوجبات لأي قيم غذائية وتقدم في ساعات متأخرة دون مراعاة لمرضى السكري أو الحالات المزمنة كما تصف كيف كان السجان يمارس أبشع صور التعذيب النفسي عبر تناول الفاكهة أمام الأسيرات المحرومات منها منذ أشهر طويلة في حين يقدم لهن الأرز غير الناضج والخضروات الفاسدة والبيض المسود مما يجعل من كل وجبة رحلة عذاب بدنية ونفسية.
الطعام كسلاح
ولا يتوقف الانتهاك عند حدود الطعام بل يمتد ليشمل مصادرة الممتلكات الشخصية والملابس ومنع ممارسة الشعائر الدينية بحرية حيث تؤكد الصحفية المحررة رولا حسنين أن إدارة السجن تستخدم الجوع كسلاح ممنهج للضغط على الأسيرات وتقليص كميات الطعام إلى مستويات لا تكفي لإطعام عصفور، بالإضافة إلى تردي جودة المياه غير النظيفة وانتشار الحشرات في الوجبات الشحيحة.
وبينما تشتد الإجراءات القمعية تظل الأسيرات متمسكات بصيامهن وصمودهن كرسالة تحدٍ تثبت أن الروح الفلسطينية عصية على الانكسار وأن عتمة الزنزانة لن تطفئ نور الإيمان بالحرية رغم كل محاولات الإذلال والتنكيل الممارس بحقهن في هذا الشهر الفضيل.








