
إعلان الكيان الصهيوني أنه سوف تستثمر مبلغا يفوق 30 مليون شيكل (الدولار 3.2 شيكل) في تسريع تسجيل الأراضي في الشطر الشرقي من مدينة القدس المحتلة، ليس من شأنه فقط أن يوسّع السيطرة على أراضي الفلسطينيين هناك وحسب، بل يعد أخطر خطوة استيطانية منذ احتلال المدينة عام 1967، كونه يمثل الانتقال من سياسة المصادرة التدريجية إلى حسم نهائي وموثق لملكية الأرض لصالح دولة الاحتلال ومؤسساتها الاستيطانية، وبحسب القرار، يُفترض أن تُسجّل 100 % من الأراضي بحلول 2030.
جاء هذا في وقت أعلن فيه الاحتلال خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي عن 20 مشروعا استيطانيا بالقدس وحدها، وفق بيان صدر عن محافظة القدس، والتي حذرت من قرار الاحتلال استكمال تسوية وتسجيل جميع أراضي مدينة القدس المحتلة في السجل العقاري الصهيوني، علما أن محكمة العدل الدولية في لاهاي أقرّت بأن عملية تسجيل الأراضي شرقي القدس تنتهك القانون الدولي وتهدف للضغط على الفلسطينيين لمغادرة المدينة.
الحكومة الصهيونية زعمت في بيان لها أن القرار اتُخذ بهدف "تحسين أوضاع السكان الفلسطينيين وتقليص الفجوات بين شطري المدينة"، إذ إن عدم تسجيل الأراضي في الطابو يحول دون الحصول على قرض سكني، إضافة إلى ذلك، زعمت الحكومة أن تسجيل الأراضي هدفه تسهيل عمليات التخطيط والبناء في شرقيّ القدس، فيما اعتبر المقدسيون أن خطة الحكومة هدفها تهجيرهم وتسجيل الأراضي باسم مُلّاكٍ يهود، وبالفعل، خصصت دائرة التسجيل الصهيونية معظم أنشطتها لتسجيل قطع الأراضي المملوكة ليهود، أو التي يُخطط لإقامة أحياء يهودية عليها، "وهكذا سُوّت ملكية حوالي 50 كتلة تسجيل على مساحة تقارب 2300 دونم".
وقالت صحيفة هآرتس العبرية، في تقرير موسع لها، ن نحو 85 % من هذه الأراضي سُجّلت في مستوطنات أو أحياء يهودية شرق القدس المحتلة، أو نُقلت إلى ملكية الدولة والهيئات العامة، بينما سُجل 1 % باسم ملاك فلسطينيين خاصين، وبموازاة ما سبق، دُفع بإجراءات تسوية في مناطق تُقام فيها أو يُخطط لإقامة مستوطنات جديدة، من بينها "عطروت"، "جفعات همتوس"، "نوف زهاف"، وغيرها، حيث يُخطط لبناء نحو 20 ألف وحدة سكنية استيطانية، وفي حالات ثانية، نُفذت إجراءات التسوية داخل أحياء فلسطينية مأهولة، وأدت إلى أوامر إخلاء بحق عائلات فلسطينية لم تكن على علم بوجود إجراءات تسوية على أراضيها.
وفي السياق، ذكرت الصحيفة أن إحدى المشكلات في عملية تسجيل الأراضي هي أنّ الفلسطيني الذي يرغب في تسجيل أرض يملكها يُطلب منه الخضوع لفحص لدى الوصي (القيّم) على أملاك الغائبين، فوفقاً لقانون أملاك الغائبين لعام 1959، الذي أُقر في الأصل لمصادرة الممتلكات التي أُكره اللاجئون الفلسطينيون عام 1948 على تركها، يُعتبر غائباً كل من يقيم في الكيان الصهيوني، "ما يعني أنه، إذا كان أحد ورثة الأرض يعيش في دول عربية (من التي هُجّر إليها الفلسطينيون)، عندها ينقل الاحتلال ملكية الأرض إلى اسمها".
ولأجل ما سبق، تخوّف فلسطينيون كُثر من تقديم دعاوى لتسجيل أراضيهم؛ إذ لدى جزء كبير منهم أقارب هُجّروا، هم عملياً ورثة الأرض التي يسكنونها، ما يعني أن الأرض وفقاً للقانون الصهيوني قد تكون "أملاك غائبين"، وبالتالي ستُسجل باسم الكيان الصهيوني، وفي المقابل، فإن الامتناع عن تقديم مطالبة لتسجيل الأرض قد يؤدي أيضاً إلى تسجيل الأرض باسم الدولة، ما يجعل خطر فقدان الأرض قائماً في الحالتين.
وفقاً لقرار الحكومة الصهيونية الجديد، سيُخصص مبلغ سبعة ملايين ونصف مليون شيكل لكل سنة من السنوات الأربع المقبلة لاستكمال عملية التسجيل التي ستتم بالتعاون بين دائرة تسجيل الأراضي في وزارة القضاء الصهيوني، والوصي على أملاك الغائبين، وسلطة الأراضي الصهيونية، ومركز المساحة والتخطيط الصهيوني.
من جهتها، قالت منظمة "عير عميم" العبرية: "إن تطبيق القرار من شأنه الهيمنة على كامل أراضي القدس خلال أربع سنوات، وسط تحذيرات من عواقب القرار الإسرائيلي وخطورته. وأكدت أن "حكومة إسرائيل تستغل عملية التسوية مجدداً لتعزيز مصادرة واسعة النطاق للأراضي في شرقي القدس. تضمين الوصي على أملاك الغائبين في قرار الحكومة الجديد يدل على أن تسوية الأراضي تهدف لخدمة طموحات الاستيطان لدى الحكومة اليمينية، على حساب مئات آلاف السكان الفلسطينيين. وأضاف: "يجب إيقاف التقدم في تسوية الأراضي قبل أن تفقد مجتمعات كاملة أراضيها ومنازلها".
وكانت محافظة القدس، قد حذرت من قرار الاحتلال استكمال تسوية وتسجيل جميع أراضي مدينة القدس المحتلة في السجل العقاري الصهيوني (الطابو) حتى نهاية عام 2029، ووصفت تلك الخطوة بأنها أخطر خطوة استيطانية منذ احتلال المدينة عام 1967، تمثل الانتقال من سياسة المصادرة التدريجية إلى حسم نهائي وموثق لملكية الأرض لصالح الكيان الصهيوني ومؤسساتها الاستعمارية.
وأكدت المحافظة أن المقدسيين يواجهون اليوم خطرًا داهمًا على وجودهم في منازلهم وأراضيهم، ليس بسبب غياب الملكية الفعلية، بل نتيجة استحالة إثباتها وفق الشروط الصهيونية القسرية، "فغالبية بيوت المقدسيين قائمة على أراضٍ لم تُستكمل إجراءات تسجيلها منذ أن أوقف الاحتلال عملية التسوية عقب عام 1967، وبقيت الملكيات مسجلة بأسماء الأجداد أو في سجلات أردنية غير معترف بها، بينما يعيش العديد من الورثة خارج البلاد، ما يتيح للاحتلال تصنيفهم "غائبين" وتفعيل قانون أملاك الغائبين لتسجيل الأراضي باسم الكيان الصهيوني أو بلدية الاحتلال أو جمعيات استيطانية، وبهذه الحيلة القانونية، يُحوَّل صاحب البيت إلى “شاغل بلا سند”، بينما تُستكمل إجراءات تسجيل الأرض باسم الاحتلال، تليها أوامر إخلاء أو هدم أو نقل ملكية نهائية لا يمكن الطعن بها لاحقًا".








