
كاتب صهيوني: الكيان الصهيوني أخفق في قطاع غزة ولا يملك حلولاً
يستعيد محلل الشؤون السياسية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، ناحوم برنيع، في مستهل تحليله حول قوة "الاستقرار الدولية في قطاع غزة"، واقعة تعود إلى ما بعد عملية الليطاني في مارس/آذار 1978، حين وافقت حكومة مناحيم بيغن على إنشاء قوة "يونيفيل" التابعة للأمم المتحدة في لبنان.
ويشير الكاتب إلى أنه سأل حينها وزير الحرب عيزر وايزمان عن سبب دعمه نشر قوة أجنبية بين الكيان الصهيوني ودولة عربية، خلافاً لنهج الحكومات السابقة، فكان جواب وايزمان، كما ينقله برنيع، لافتاً: "أنا مع أي قوة أجنبية، بشرط أن تأتي من دولة معادية"، مبرراً ذلك بأن القوة القادمة من دولة صديقة سرعان ما تتحول إلى معادية.
ومن خلال هذه القصة، يمهد برنيع للقول: "إن المشكلة لم تكن في العداء بحد ذاته، بل في الترهل الذي أعقب ذلك؛ فبرأيه، لم تجلب "يونيفيل" سلاماً ولا أمناً ولا منفعة، بل كرست، على مدى 48 عاماً، فشلاً مطلقاً، واليوم، كما يكتب، "يجري تفكيك هذه القوة بتوافق عام، في وقت تستعد فيه "إسرائيل"، على الجبهة الجنوبية، لاستقبال صيغة جديدة مشابهة، تتمثل في "قوة الاستقرار لغزة".
وفي هذا السياق، يربط برنيع بين التجربتين، مشيراً إلى أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي ومبعوثه، يقف بحسب تقديره في قلب المشروع الجديد، سواء لجهة تشكيل حكومة قطاع غزة، أو اللجنة الإدارية المشرفة عليها، أو القوة الدولية التي ستسندها، وهنا يلفت الكاتب إلى مفارقة أساسية: رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يعارض، وجيش الاحتلال الإسرائيلي يعارض، فيما يتجاوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلا الاعتراضين بقدر كبير من اللامبالاة.
وانطلاقاً من ذلك، يؤكد برنيع أن أي نقاش جدي في هذا الملف لا بد أن يبدأ بسؤال جوهري: أين تقف "إسرائيل"؟ فهل تقف، كما يتساءل، إلى جانب حكومة يتحدث بعض وزرائها الكبار صراحة عن تهجير السكان وإحلال استيطان يهودي مكانهم؟ أم تقف إلى جانب رئيس حكومة يسعى، وفق تقديره، إلى استئناف الحرب على غزة خلال شهرين، وصولاً إلى احتلال كامل القطاع وفرض حكم عسكري على مليوني فلسطيني؟
ويواصل الكاتب طرح أسئلته، متوقفاً عند موقف جيش الاحتلال الصهيوني، الذي لا يريد إدارة قطاع غزة، لكنه، في الوقت ذاته، عاجز عن التعايش مع نقل السلطة فيها إلى أطراف أخرى، كما يضع برنيع خيار الوقوف مع ترامب موضع مساءلة، لا سيما في ظل إصراره على إشراك قطر وتركيا، اللتين يصفهما بداعمتين واضحتين لحماس، في رسم مستقبل القطاع وسكانه، ومن هنا، يتساءل عما إذا كانت سنتان من القتال الدامي قد انتهتا بلا جدوى، وعن احتمال أن تكون حماس هي الرابح الحقيقي من حرب السابع من أكتوبر.
وينتقل برنيع إلى تفكيك شخصية دونالد ترامب ودوره؛ فهو يقر، أولاً، بأن الكيان الصهيوني مدينة له بالكثير، مذكراً بأن أياً من أسلافه لم يرسل طائرات B-2 إلى المنشآت النووية الإيرانية، وبأن إدارته استثمرت، كما يقول، جهوداً غير مسبوقة في ملف الأسرى، والحرب على قطاع غزة، ووقف إطلاق النار في القطاع ولبنان وإيران وسوريا، لكنه، في المقابل، يحذر من الوجه الآخر للعملة، المتمثل في التهور والثرثرة والجهل، مستشهداً بطرحه فكرة ترحيل سكان قطاع غزة، التي سرعان ما تراجع عنها تحت ضغط حلفائه العرب، لكنها، كما يلاحظ، اكتسبت "شرعية" داخل الكيان الصهيوني.
ويذهب برنيع أبعد من ذلك حين يحذر من "تقديس" ترامب، معتبراً أن هذه الهالة تمهد لخيبة أمل حتمية؛ فالرئيس الأميركي، كما يكتب، ليس قديساً ولا صانع معجزات، وله مصالح وأهواء ونقاط ضعف، ومن هنا يخلص إلى معادلة واضحة: يمكن العمل مع ترامب، لكن لا يجوز الارتهان له.
وفي سياق متصل، يتوقف الكاتب عند محاولة مكتب نتنياهو تحميل جاريد كوشنر مسؤولية إدخال تركيا وقطر وسلطة عباس، ولو بشكل غير مباشر، في مسار إعادة إعمار قطاع غزة، ويقر برنيع بأن كوشنر غاضب من نتنياهو منذ أشهر، وله أسبابه، لكنه يعتبر من السذاجة اختزال القرار بشخصه، مذكراً بأن ترامب، في نهاية المطاف، ليس ساذجاً ولا يقبل أن يظهر كذلك.
ورغم تفهمه لمخاوف نتنياهو من إشراك أطراف يعتبرها معادية، يرى برنيع أن البديل الذي يطرحه نتنياهو أخطر؛ فهو يتساءل: ماذا سيحدث إذا استؤنفت الحرب وجرى احتلال قطاع غزة بالكامل؟ ومن سيتولى إدارة مليوني إنسان، وتأمين احتياجاتهم، وتمويل حياتهم، في ظل عزلة دولية متزايدة ومقاطعات محتملة في أميركا وأوروبا تطاول الاقتصاد والعلم؟
وفي خلاصة تحليله، يشدد برنيع على أن الكيان الصهيوني لا يستطيع رفض إشراك تركيا وقطر والفلسطينيين، ثم تتوقع في الوقت نفسه دعماً أميركياً مطلقاً في مواجهتها مع إيران؛ فترامب، كما يكتب، قد يكنّ مودة لنتنياهو، لكنها ليست مودة بلا حدود، ومن هنا، يصل الكاتب إلى استنتاجه الأوسع: "إسرائيل" أخفقت في غزة، ولا تملك حلاً حقيقياً للأرض ولا للناس الذين يعيشون عليها، وكل البدائل محفوفة بالمخاطر، بما في ذلك البديل الذي يطرحه ترامب، ومع ذلك، يختم برنيع، ربما آن الأوان لإتاحة الفرصة لآخرين.








